الطبراني
154
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ؛ يعني : أنّ المكان الزّاكي من الأرض يخرج ريعه بلا كدّ ولا عناء ولا مشقّة فينتفع به ، وَالَّذِي خَبُثَ ؛ ترابه ؛ وهي الأرض السّبخة ، لا يَخْرُجُ ؛ ريعها ؛ إِلَّا نَكِداً ؛ أي في كدّ وعناء . قال ابن عبّاس : ( هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن والكافر ، فإنّ المؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها ، وينفعه القرآن كما ينفع المطر البلد الطّيّب ، والكافر لا يسمع الموعظة ولا يعمل عملا من الطّاعة إلّا شيئا يسيرا ) « 1 » . والنّكد في اللّغة : هو القليل الّذي لا ينتفع به . وقيل : معنى قوله تعالى : ( لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) أي عسرا قليلا بعناء ومشقّة . وقرأ أبو جعفر : ( نكدا ) بفتح الكاف ؛ أي بالنّكد . وقيل : هي لغة في نكد ، ويقرأ ( نكد ) بإسكانها لغة أيضا . ويقال : رجل ( نكدا ) « 2 » ؛ إذا كان عسرا ممتنعا من إعطاء الحقّ على وجه البخل . قوله تعالى : كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ؛ أي كما صرّفنا لكم آية في إثر آية ؛ هكذا نبيّن الآيات ، لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) ؛ نعم اللّه تعالى ويعتبرون بآياته وأمثاله . قوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ؛ وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس . وكان نوح نجّارا بعثه اللّه إلى قومه وهو ابن خمسين سنة « 3 » ، فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ؛ أي وحّدوه وأطيعوه ، ولا تعبدوا معه غيره . قوله تعالى : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ؛ قرأ أبو جعفر ويحيى بن وثّاب والأعمش والكسائيّ : ( غيره ) بالخفض نعتا للإله . وقرأ الباقون بالرفع على معنى : ما لكم إله غيره . وقيل : على نيّة التقديم وإن كان مؤخّرا في اللفظ ؛ تقديره : ما لكم غير اللّه من إله . وقوله تعالى : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) ؛
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 11476 ) . ( 2 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 7 ص 231 ؛ قال القرطبي : ( نصب على الحال ؛ وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير ) . ( 3 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 7 ص 233 .